الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
259
نفحات الولاية
حيث أصروا على الإمام عليه السلام بقبول التحكيم فلما قاد إلى تلك النتيجة ندموا ندماً شديداً ليعتبروا التحكيم مخالفة صريحة للقرآن وأنّه الكفر بعينه ، وقد بلغت بهم الوقاحة أن طالبوا الإمام عليه السلام بالتوبة وإلّا هبوا لقتاله . فلما رأى الإمام عليه السلام الاختلاف قد دب بين جيشه ( ولاحظ عناصر النفاق التي كانت تحاول إثارة الفتنة ) أصدر أمره بالعودة إلى الكوفة . فلما عاد الجيش إلى الكوفة ، انشق منه اثنا عشر ألف من الأفراد المتعصبين ليلجأوا إلى الحروراء - قرية تبعد ميلين عن الكوفة - ومن هنا اطلق عليهم اسم الخوارج الحرورية ، وأخيراً استعدوا للقتال بعد أن تجمعوا في النهروان قرب الحروراء . والغريب في الأمر كان البعض منهم من أصحاب البرانس من الحفاظ . إلّاأنّهم كانوا يعرفون بالجهل والتعصب والالتزام بظواهر الدين دون باطنه ومن هنا استحقوا اسم « المارقين » . سعى الإمام عليه السلام بادىء ذي بدء إلى نصحهم والاعذار إليهم فبعث لهم الواحد تلو الآخر ، فكان من ذلك أن استجاب عدد منهم وهم ينادون « التوبة التوبة يا أمير المؤمنين » حيث قيل إنّ ثمانية آلاف منهم قد رجعوا وتابوا ( تفيد الروايات أنّ الإمام عليه السلام قد جعل راية في الميدان وأمر التوابين بالانضواء تحتها ) ، مع ذلك لم يأذن الإمام عليه السلام بمقاتلتهم أملا بعودة من تبقى منهم . حتى بعث لهم من يحاججهم فقتلوه ثم نشب القتال ، فقاتل عليه السلام قتالًا شديداً بعد أن أخبر أصحابه بأن مصارعهم دون النطفة ولن ينجو منهم عشرة ولن يهلك من جيشه عشرة . فكان الأمر كما أخبر عليه السلام . « 1 » وقعت هذه الحرب في اليوم التاسع من شهر صفر عام 38 أو 39 هجري ، ولم تدم أكثر من ساعة . « 2 »
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة 59 . ( 2 ) « الكامل في التاريخ » لابن الأثير ، شرح نهج البلاغة للخوئى ، تاريخ الطبري ، ج 4 ، نور الولاية ، مروج الذهب ، ج 2 « مع التلخيص والاختصار » .